الثّورة والمقاومة في الأدب النسائي الفلسطيني وفي كل المجالات والاختصاصات التي تقوم بها المرأة

الثّورة والمقاومة في الأدب النسائي الفلسطيني وفي كل المجالات والاختصاصات التي تقوم بها المرأة

الكاتب : غريد الشيخ محمد

إذا أردنا أن نعرف تاريخ أمّة فلا بد أن نرجع إلى نسائها وسيرهن وعطاءاتهن وإبداعاتهن والبصمة التي تركوها في المجتمع والعالم، وإذا رجعنا إلى فلسطين وحاولنا أن نقرأ تاريخها منذ الاحتلال البريطاني حتى يومنا هذا نجد بصمة واضحة للمرأة الفلسطينية في كلّ شي ء... وأنا اليوم إذ أخص مقالي هذا بالأدب النسائي الفلسطيني فلا أقصد التقسيم بين أدب نسائي أو نِسويّ كما يُطلقون عليه وأدب رجالي، فالأدب واحد سواء كتبته امرأة أو كتبه رجل، والقضايا التي تعاني منها المرأة - في أغلبها – هي نفسها التي يعاني منها الرّجل، هذا على العموم فكيف إذا كان الموضوع هو فلسطين وقضاياها وعذاباتها. سأتكلّم اليوم عن أثر المرأة الفلسطينية في الداخل وفي الشتات في التأريخ لبلدها والمحافظة على جذوة الثورة والمقاومة من خلال ما كتبته من أبحاث أو قصص وروايات أو شعر يصف الوضع كما هو، من داخل الحدث، يومًا بيوم وساعة بساعة. مما لا شك فيه أن المرأة الفلسطينية ناضلت على الأرض مع الرجل يدًا بيد، فقاومت الاحتلال البريطاني، ثم الاحتلال الصهيوني لبلدها، وضحّت - كما الرّجل - فقدّمت الشهداء من أب أو أخٍ أو ابن، بل وسُجنت وعُذّبت ولكنها لم تستسلم، بل عبّرت عن كلّ هذه القضايا من خلال التأريخ والتعبير بأنواعه كافّة. كتبت الدكتورة فيحاء عبد الهادي مجموعة من الكتب التي تؤرّخ للنضال الفلسطيني، فأصدرت عدّة كتب توثيقية: "أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينيات: المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية"، "أدوار المرأة الفلسطينية في الأربعينيات"، و"أدوار المرأة الفلسطينية في الخمسينيات حتى منتصف الستينيات"، و"أدوار المرأة من منتصف الستينيات حتى عام 1982 م"، وهذه الكتب اعتمدت فيها الباحثة على الروايات الشّفهية للنساء اللواتي أخذت شهاداتهن، واللواتي كان لهن دور مهم في مقاومة الاحتلالينِ وفي إنشاء الجمعيات النسائية لإيصال القضية الفلسطينية إلى العالم، والجمعيات التي كانت تقوم بمساعدة المشرّدين من ديارهم بسبب طغيان الاستعمار، بالإضافة إلى أنها أصدرت مجموعة قصصية عن معاناة نساء فلسطينيات وكفاحهن على الصعيد الاجتماعي بعنوان "الأمل هو أغلى ما أملك"، ولها كتب أخرى توثيقية. ومن الأديبات سلمى الخضراء الجيوسي التي كتبت الشعر والرواية والكتب الأكاديمية التي وثّقت الأدب الفلسطيني الحديث، ومن كتبها: "العودة من النبع الحالم": شعر؛ "عشّاق في المنفى": رواية؛ "الأدب الفلسطيني الحديث"؛ و"موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر 1": تحرير. أمّا إذا تصفّحنا أسماء القصص والروايات ودواوين الشعر التي كتبتها النساء الفلسطينيات فإننا نلمح من خلف العناوين معاناة شعب كامل... تعالوا معي لقراءة بعض العناوين ولكم أن تتصوروا ما وراءها من قصص ومآسٍ يتعرّض لها الشعب الفلسطيني يندى لها جبين البشرية: "في بيتي وطن مسروق": رواية، فاطمة يوسف عبد الرحيم؛ "ماما... طيّارة... طخ": مجموعة قصصية، دنيا الأمل إسماعيل؛ "مأذون من الليكود": مجموعة قصصية، شوقية عروق منصور؛ "ممنوع التّجوّل بيتك بيتك، سيرة الاحتلال والانتفاضة": رقية العلمي؛ "الأسير": مجموعة قصصية، عائشة الخواجا الرازم. أمّا المناضلة عائشة عودة والتي اعتُقلت من قِبل قوات الاحتلال في الأول من آذار سنة 1969 ونُسف منزل أسرتها إثر اعتقالها وتعرضت للتعذيب في السجن فقد حوّلت السّجن إلى ساحة نضالية، وتحررت بعد عشر سنوات بعملية تبادل أُطلق عليها اسم "النورس"، فقد كتبت سيرتها الذاتية بكتاب أسمته "أحلام بالحرية"، من أدب المعتقلات الإسرائيلية، ثم كتبت "ثمنًا للشمس" وهو الجزء المكمل للكتاب الأول ويتناول فترة عشر سنوات من الأسر. والمناضلة رسمية عودة التي حُكمت بثلاثة مؤبّدات وتعرضت لأقسى أنواع الاعتداءات الجسدية والنفسية وصمدت، فهي تؤرّخ لهذه التجربة المرّة في سيرة ذاتية، أتاحت لي الفرصة أن أقرأ بعضها، وهذه السيرة تتكلم عن شخصها وما تعرّضت له وكذلك ما تتعرض له فلسطين من محاولات الاغتصاب كلّ يوم. وفي الشعر: "رأيت في غزّة": شعر، دنيا الأمل إسماعيل، "لاجئة في وطن الحداد"؛ و"أنّات وطن": شعر، سلمى داود جبران؛ "عرس الشهيد" و"جند الأقصى": عائشة الخواجا الرازم؛ "قصائد سياسية"، "الفدائي والأرض": فدوى طوقان. أما ريما ناصر ترزي فكتبت ولحّنت أغنية إلى أسرى سجن نفحة الصحراوي، فقدمت: "من أنا"، و"القدس عربية"، و"أحلام شعبي"، "لن يقتلوني" وغيرها... ولن أستطيع أن أتكلم عن الأدب الذي تكلّم عن الثورة والوطن دون أن أذكر كاتبات الأطفال الشاعرات والقاصّات اللواتي قدّمن للطفل الفلسطيني والعربي معنى الوطن والعدوّ بأسلوب مبسط سهل. ويقع ضمن أساليب المقاومة الفن التشكيلي والرسم والتصوير وخصوصًا الذي يقوم بتخليد صور المناطق الفلسطينية قبل الاحتلال وبعده كما فعلت الفنّانة "فجر إدريس" التي أقامت عددًا من معارض "أسياد الأرض" الذي يضمّ حوالي 2000 صورة لفلسطين لقرنٍ كامل من الزمن قامت بترميمها وتلوينها. ولا بدّ في معرض كلامي عن دور المرأة في الحفاظ على جذوة القضية الفلسطينية من ذكر النساء اللواتي عملن على إيصال هذه القضية عن طريق الفن، ككاتبات الأفلام والمسرحيات والمخرجات واللواتي وصلن إلى العالمية وأوصلن صوت فلسطين وقضيتها؛ ومنهن: إيمان عون، ابنة نابلس التي كتبت ومثلت وأنتجت ودرّبت على المسرح، والتي قامت بحملات فنية دولية؛ ومنها: "مائة فنان من أجل فلسطين"، و"مونولجات غزة"، وغيرها.... وفـريـال خشيبون ابنة حيفا التي أسست فرقة ومعهد سلمى للفنون الاستعراضية والذي حافظت فيه على تدريب الفنون الفلسطينية الشعبية، وعرضت أعمالًا استعراضية وطنية عن الحرب؛ مثل: "بقاء"، "فلسطيني"، وميّ المصري ابنة نابلس التي ألّفت وأخرجت الأفلام الوثائقية التي تتكلم في صلب القضية الفلسطينية؛ ومنها: "أطفال جبل النار"، "أطفال شاتيلا"، "أحلام المنفى"، "3000 ليلة" وهو فيلم روائي.... ولا بدّ أن نذكر دور الحكواتية الذين يحافظون على تاريخ فلسطين الوطن الأصلي للفلسطينيين من خلال الحكايا الشعبية، وكذلك دور الترجمة إلى اللغات الأخرى لنقل القضية إلى العالم بأقلام أصحابها أنفسهم، ودور أولئك السيدات اللاتي يحافظن على الأزياء التراثية الفلسطينية، كالباحثة مها السّقا مؤسسة ومديرة مركز التراث الفلسطيني في بيت لحم والتي أسست المركز بهدف إحياء وتوثيق ونشر التراث الفلسطيني والتعريف به والحفاظ عليه، وقد بحثت مها عن أصل الحكاية وزارت عددًا من المدن والقرى وجمعت كل الحكايات ووثّقتها في كتب. ونضيف إلى هؤلاء السيدات أولئك اللواتي حافظن على الأغاني المحلية الشعبية والتي نشروها في بلاد العالم ولا نجد فلسطينيًّا حتى وإن وُلد وشبّ في الشتات إلا ويحفظ هذا الإرث المرتبط بالأرض والوطن. من كل ما تقدّم نقول إن الثورة والمقاومة الفلسطينية باقية في كلّ عمل يقوم به فلسطيني في الداخل أو في الشتات، في الشعر والنثر، في الثوب والتطريز، في الفنون المسرحية، والفنون التشكيلية، في الأفلام الوثائقية... وأيضًا وأيضًا شعلة الثورة موجودة في قلب كل فلسطيني وعربي، ففلسطين هي الجرح الذي يوحّد العرب حول قضية واحدة محقّة وعادلة، قضية شعب شُرِّد واغتصبت أرضه ولكنه مازال يقاوم وبوسائل مختلفة، وسيبقى إلى أن تتحرر فلسطين كلّها على يد أبنائها... نعم أبنائها فقط.