" للأحزان بقية " مقال للكاتبة السعودية غادة ناجي طنطاوي

" للأحزان بقية " مقال للكاتبة السعودية غادة ناجي طنطاوي

الكاتبة الدكتورة : غادة ناجي طنطاوي.

الدوله : السعودية

للتواصل : Ghada_tantawi@

في رحلة حياة كل منا محطات جعلته يعيش الألم تارة، ويشعر بالخذلان تارةً أخرى..!! ومع مرور الوقت قد تختفي تلك الآلام كاختفاء أثر الأقدام من على الشواطئ بفعل أمواجٍ عاتية. لكن يبقى بعض رذاذ تلك الجراح ويتراكم مع مرور الأيام ليكون عاصفة رملية قد تعمى لها الأبصار..!! * من المحزن أن يعتريك شعورٌ بأنك وحيد تمامًا، في عالمٍ يعج بالأوجه الباسمة والأصوات المألوفة، عندما تكتشف أن تلك البسمة قناعٌ لوجهٍ ماكر، وذاك الصوت ماهو إلا صدىً لأيامٍ غابرة. * من المحزن أن تعلم بأن نقطة النهاية التي توقف عندها خط الحياة لديك، هي نفس نقطة البداية لأشخاصٍ انتظروا سقوطك وقت طويل..!! لتكتشف بأن وجودهم حولك لم يكن صداقة خالصة..!! بل كان أشبه بتهافت الفراش الأعمى على النار، ليس لأنه أبصر الضوء، بل ليستقي الدفئ منك في ليالي وحدته الباردة..!! * من المحزن أن تشعر بأنك تنتمي لمكان طفولتك أكثر من انتمائك لمكانٍ ترعرعت فيه وبنيت فيه قلاعًا شامخة من الذكريات، لتكتشف أن الفرق الوحيد هو براءة تلك الطفولة التي كانت تُخَيُّل لك أن الفراولة فاكهة صيفية..!! * من المحزن أن تصدق بأنك أبصرت الأمور على حقيقتها سابقًا، وأنك على دراية بخوافي النفس البشرية، وتكتشف لاحقًا بأنك كنت أعمى البصر والبصيرة..!! *من المحزن أن يتوجك أحدهم ملكًا لحياته ويهديك صولجانها، فتصبح الآمر الناهي الوحيد فيها، لتكتشف بعد أن يسدل الستار بأنك كنت بطلًا من سلسلة حكايات ألف خيبة وخيبة..!! * من المحزن أن ترى العصافير صباحًا تحلق في السماء ولا تسمع صوتها لتكتشف لاحقًا بأنك أصم..!! ترى خيوط الشمس تنعكس على البحر ولا تشعر بدفئها، لأنهم أطفأوا شمعة الأمل بداخلك واغتالوا أحاسيسك..!! * من المحزن أن تكن أنت الوحيد صاحب الأيادي البيضاء التي لوثتها كثرة خيانة الآخرين.. ونفثت في العقد ليراها الجميع أيد رمادية..!! وأن يكن قلبك ساحة من شواهد قبورٍ قلوب أحسنت بها الظن يومًا ما..!! * من المحزن أن تتحول قيمة قلمك إلى قيمة خشبة تحتوي على بعض الرصاص، تأكلها النار في ثوانٍ معدودة، وأن يصبح صوتك دخيلًا على مواكبة العصر، لتعلم يقينًا بأنك كنت تكتب للمثقف فيقرأ الجاهل، وتتحدث بلغة القرآن لأناسٍ لا يفقهون إلا لغة المصالح الشخصية. وأخيرًا من المحزن أن تكتب كل هذا لتصطدم بجدار الواقع وتكتشف بأنك في مرحلة عمرك الذهبية ومازال هناك للأحزان بقية